تغيّر مفهوم التربية عبر التاريخ. كانت قديماً تغذية للجسد وتوجيهاً من الكبار للصغار، ثم صارت مع علوم التربية تنمية شاملة للفرد عقلياً ووجدانياً واجتماعياً. ومع القرن التاسع عشر أصبحت مؤسسة ومشروعاً مجتمعياً، كما يقول دوركايم، ثم عملية ملازمة للإنسان طيلة حياته. وفي المغرب جاءت محطات الإصلاح لتكرّس هذا التحول: الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، والكتاب الأبيض (1999)، والبرنامج الاستعجالي (2009-2012)، والرؤية الاستراتيجية (2015-2030) التي ترفع شعار مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء.
وراء هذا التحول نظريات متعددة في التعلم. فالسلوكية ترى التعلم تغيراً في السلوك بالمثير والاستجابة والتعزيز. والجشطلتية تراه إدراكاً كلياً للعلاقات. وترى البنائية مع بياجيه أن المتعلم يبني معرفته بنفسه، وتضيف السوسيوبنائية مع فيغوتسكي وبرونر البعد الاجتماعي والتعاوني. أما المعرفية فتركز على معالجة المعلومات، وتؤكد نظرية الذكاءات المتعددة لغاردنر مراعاة تفرد كل متعلم. وتكمل ذلك نظريات النمو عند فرويد وإريكسون وبياجيه، التي تبيّن أن مراحل العمر تحدد حاجات المتعلم وقدراته.
في هذا الإطار يتمايز مفهوما البيداغوجيا والديداكتيك. البيداغوجيا تهتم بالعلاقة التربوية والتفاعل داخل القسم، والديداكتيك يهتم بالمادة الدراسية وطرق نقل المعرفة وتبسيطها، ويجمع بين أقطابه الثلاثة (المدرس والمتعلم والمعرفة) المثلث الديداكتيكي، وينظم العلاقة بينهم العقد الديداكتيكي. وتتنوع البيداغوجيات بين الأهداف والكفايات والإدماج والفارقية والمشروع والتعاقد والنشطة والخطأ واللعب.
وتأتي المقاربة بالكفايات في صلب هذا التجديد. الكفاية هي القدرة على تعبئة موارد (معارف ومهارات وقيم) وتوظيفها لحل وضعية مشكلة، وهي تختلف عن المعرفة التي هي ما يمتلكه المتعلم، وعن القدرة التي هي استعداد للفعل، وعن المهارة التي هي أداء متقن. ولذلك يتحول دور المدرس إلى مخطط وميسّر ومنشّط ومقوّم، ودور المتعلم إلى فاعل وباحث ومتعاون ومبادر. غير أن نجاحها يظل رهيناً بشروط: تكوين جيد، ووقت كافٍ، وموارد مناسبة، وتقويم منسجم معها، وإلا انزلقت إلى إجراءات شكلية.
ولا تنفصل العملية التعليمية عن الحياة المدرسية، من مجلس التدبير والمجلس التربوي ومجالس الأقسام والمجالس التعليمية إلى الجمعيات المدرسية، ومن التنشئة الاجتماعية التي تشارك فيها الأسرة والمدرسة والإعلام وجماعة الأقران.
خلاصة: المدرسة الناجحة هي التي تنتقل من الحفظ والتلقين إلى التعلم ذي المعنى، فتجعل المتعلم فاعلاً في بناء معارفه، والمدرس موجهاً ومواكباً.
